هجوم العمالقة : حين يمسي القتال خيارك الوحيد لفهم العالم

هل نحتمي بجدران الأمن أم نموت في سبيل الحرية؟

Ⓒ WIT STUDIO / MAPPA
77

لا تسير أحداث قصة العمالقة هذه في طريق خطي منتظم. بل تتشعب لتلاحق دروب شخصياتها المعقدة، حتى آلاف السنين إلى الوراء. ففي هذه القصة، الماضي أهم بكثير من الحاضر والمستقبل. وفي ثناياه وحده، تكمن كل الإجابات المنتظرة.

«في ذلك اليوم، استعادت البشرية ذكرى مروعة عن بشاعة الخوف من العمالقة ومهانة العيش في الأقفاص».

هكذا تبدأ حكاية هجوم العمالقة (Shingeki no Kyojin) لتأخذنا في رحلة هروب من المجهول إلى المجهول. داخل مدينة من العصور الوسطى محاطة بثلاثة أسوار حصينة، تضم آخر من بقي من البشر على قيد الحياة، بعد أن سيطر على الأرض عمالقة عراة ضخام لا أحد يعلم من أي «حدَب ينسِلون». في ذلك اليوم، تحدث فجوة في الجدار، فنتابع عبرها قصة الفتى أرين يـيــغر وهو يرى أمه تؤكل وبلدته تسقط وحياته البسيطة تنقلب رأسا على عقب، حين تمكن العمالقة من عبور جدران المدينة.

يقسم الفتى على الانتقام ويكرس قلبه وروحه للانضمام إلى الجيش والحصول على التدريب اللازم، مع رفيقي طفولته ميكاسا أكرمان وأرمين أرلرت، إلى جانب القائد المحنك إروين والنقيب الشجاع ليفاي وأعضاء الكتيبة 104 وبقية المحاربين الشجعان في فيلق الاستكشاف الذين يدركون جميعا أنهم يخوضون معركة خاسرة وبلا أمل، لكن القتال خيارهم الوحيد، ليس للقضاء على العدو، بل لفهم ما يجري من حولهم، وتحديد موقعهم ضمن هذا العالم المريب.

من أين يأتينا هؤلاء العمالقة؟ أي عالم يوجد خلف هذه الجدران؟ هل نخاطر في سعينا إلى الحرية أم نواصل الاختباء كما فعلنا طوال قرن من الزمان؟ أسئلة ملحة تراود الأبطال والمشاهدين على حد سواء. فتقود القصة ـ التي تبدو لأول وهلة وكأنها فوضى دموية يختلط فيها العنف والركض والصراخ ـ إلى منعطفات مفاجئة، حينما نكتشف أن الضحايا المتحصنين بالجدران قد يكونون هم أنفسهم مصدر الخطر. وأن الحكاية التي لقنت للجميع، ليست بالضرورة صحيحة. فأسوار جزيرة الجحيم التي تحمل اسم (باراديس) إنما شيدت لكي تفصل بين عالمين جمع بينهما تاريخ من الحروب والمؤامرات. وكي تحجب عن ساكنيها حقائق صادمة تمتد جذورها إلى ماض سحيق.

لا تسير أحداث القصة في طريق خطي منتظم. بل تتفرع وتتشعب وتلاحق دروب شخصياتها المعقدة، حتى آلاف السنين إلى الوراء. ففي هذه القصة، الماضي أهم بكثير من الحاضر والمستقبل. وفي ثناياه وحده، تكمن كل الإجابات المنتظرة. وذلك لأن قلة فقط من النخبة يعرفون ما الذي حدث في البدايات الأولى لصراع إمبراطوريتي إيلديا ومارلي، وصفقة الخادمة يومير، وخطة كارل فريتز، والسلام الذي لم يفلح في إخماد جذوة الحرب.

هكذا يقلب مؤلف القصة هاجيمي إيساياما الموازين ويخيب التوقعات، يشد أنظار المشاهدين ويجعل قلوبهم تنقبض من التوتر والتشويق. نتوقع جوابا شافيا فتصدمنا عشرات الأسئلة المحيرة. نظن أننا وجدنا المسار النهائي، فنكتشف أننا مازلنا نركض في متاهة بلا معالم. فلا نملك إلا انتظار ما سيأتي به كل فصل جديد من المانغا، أو كل حلقة جديدة من الأنيمي. هكذا يرسم إيساياما عوالم قصة ليست جميلة كالبحيرة ولا راكدة كالمستنقع. إنما هي بحر هائج من المعارك الضارية التي لا تعرف السكون، غير أن ما يكمن في أعماق هذا البحر من صراع وتخطيط ومؤامرات، أكبر بكثير من الأمواج العاتية التي يثيرها قتال العمالقة على السطح.