سندباد : بحار حقيقي أم شخصية من وحي الخيال؟

بتصرف عن مقال لكاتبه الأردني خالد بشير بموقع حفريات

NIPPON ANIMATION ©
2٬058

أسفار بعيدة، رحلات في أعالي البحار، اكتشاف لجزر مجهولة، ولقاء بمخلوقات أسطورية مذهلة. تلك هي الصور والمشاهد التي تتداعى إلى الأذهان عند سماع كلمة «سندباد». لكن من أين أتت قصة هذا البحار؟ وهل كانت من محض الخيال أم أن لها أصلا قديما؟

تناولت سبع ليال من كتاب ألف ليلة وليلة (558 – 565) والذي يعتبر أحد أهم كتب الأدب الغرائبي والعجائبي في تراثنا العربي حكايات السندباد البحري. ووفقا لها فإنه بحار ومغامر شهير عاش في بغداد خلال أوج العصر العباسي زمن الخليفة هارون الرشيد (786 – 809 مـ)، قبل أن ينتقل إلى البصرة، ليبدأ بالإبحار من مينائها في رحلات عديدة ليصل إلى السواحل البعيدة والجزر التي لم تطأها قدم إنس من قبل، قبل أن يعود إلى الأصحاب والأهل في البصرة لإخبارهم بما عاش من مغامرات وما رأى من عجائب.

وتعود كتابة ألف ليلة وليلة إلى القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، والمعروف بالعصر الذهبي حيث بلغ الإنتاج الحضاري والثقافي والأدبي العربي ذروته. وحسب أول من أرخ للكتاب، كالمسعودي في «مروج الذهب»، وابن النديم في «الفهرست»، فإنه لا يعلم له كاتب معين، وإن كانت قصصه وحكاياته مجموعة من قصص متداولة في عموم بلاد العرب والعجم والهند والسند. تبدأ حكاية رحلات السندباد من الليلة الثامنة والخمسين بعد الخمسمئة، حيث يبدأ فيها بسرد أخبار أسفاره على جلسائه، فيظهر السندباد في صورة البطل الأسطوري الذي يهوى المجازفة والمغامرة، حتى تبدو وكأنها هاجسه الذي يدفعه نحو الأسفار البحرية الطويلة، بحثا عن الأماكن الغريبة والجديدة التي لم تطأها قدم إنسان.

اختلف العديد من الباحثين المعاصرين في تحديد الأصل التاريخي لقصة سندباد، فمنهم من رأى أنها محض قصية خيالية نسجت من وحي رحلات ومغامرات البحارة العرب، فقد كانت مثل هذه الحكايات متداولة في ميناء البصرة والخليج. وقد جمع بزرك بن شهریار وهو قبطان ورحالة من أهل خوزستان العديد منها في كتاب «عجائب الهند بره وبحره وجزائره»، دون أن يذكر اسم السندباد. ومنهم من ذهب إلى التأكيد أن المقصود بها هو تاجر عربي معروف عاش في العصر العباسي الأول وسكن البصرة، حيث توجد اليوم هناك جزيرة على شط العرب تسمى «جزيرة السندباد». وفي عمان، يسود الاعتقاد بأن شخصية السندباد البحري تعود لبحار من مدينة صحار التي كانت عاصمة قديمة للبلاد، ولها ميناء مهم كان التجار يبحرون منه إلى شبه القارة الهندية والصين. ويستدل على مكان الإبحار باعتباره المحيط الهندي من طبيعة خطوط التجارة في تلك العصور، إضافة إلى أن اسم «سندباد» مأخوذ من الكلمتين الفارسيتين «سند آباد»، وتعنيان بالفارسية «زعيم نهر السند».

ومن الباحثين من ذهب إلى القول بالأصل الفارسي للسندباد، فأشاروا إلى إمكانية أن تكون قصته مستوحاة من شخصية المغامر والتاجر الفارسي «سليمان السيرافي» الذي غير وجه التجارة البحرية في طريق الحرير، عندما تمكن من السفر من بلاد فارس إلى الصين عبر ساحل مالابار في القرن التاسع الميلادي، قبل أن يعود سالما محملا بالتوابل والمجوهرات والخزف الصيني.

وأيا كان أصل الحكاية، فقد برزت شخصية السندباد واكتسبت شهرتها العالمية من خلال الثقافة والأدب العربي. كما اشتهرت القصة لدى الأطفال عبر الأنيمي الشهير «مغامرات السندباد»، وهو مسلسل رسوم متحركة ياباني من إخراج «فوميو كوروكاوا»، وإنتاج شركة نيبون أنيميشين ويتكون من 52 حلقة تستند بالأساس على الحكايات السبع الواردة في كتاب ألف ليلة وليلة ثم تتوسع وتنسج على منوالها.

وقد تم إنتاج هذا المسلسل وعرض لأول مرة باللغة اليابانية عام 1975، وحمل اسمه الأصلي «أرابيان نايتو شيندوباتو نو بوكين» وقد دبلج في العراق إلى العربية بعد فترة قصيرة، وذاعت شهرته منذ ذلك الحين في عموم العالم العربي.